الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
9
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والسماع في قوله : وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما مستعمل في معناه الحقيقي المناسب لصفات اللّه إذ لا صارف يصرف عن الحقيقة . وكون اللّه تعالى عالما بما جرى من المحاورة معلوم لا يراد من الإخبار به إفادة الحكم ، فتعيّن صرف الخبر إلى إرادة الاعتناء بذلك التحاور والتنويه به وبعظيم منزلته لاشتماله على ترقّب النبي صلى اللّه عليه وسلّم ما ينزله عليه من وحي ، وترقب المرأة الرحمة ، وإلا فإن المسلمين يعلمون أن اللّه عالم بتحاورهما . وجملة : وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما في موضع الحال من ضمير تُجادِلُكَ . وجيء بصيغة المضارع لاستحضار حالة مقارنة علم اللّه لتحاورهما زيادة في التنويه بشأن ذلك التحاور . وجملة اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ تذييل لجملة وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما أي : أن اللّه عالم بكل صوت وبكل مرئيّ . ومن ذلك محاورة المجادلة ووقوعها عند النبي صلى اللّه عليه وسلّم . وتكرير اسم الجلالة في موضع إضماره ثلاث مرات لتربية المهابة وإثارة تعظيم منته تعالى ودواعي شكره . [ 2 ] [ سورة المجادلة ( 58 ) : آية 2 ] الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ( 2 ) تتنزل جملة الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ وما يتم أحكامها منزلة البيان لجملة قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها [ المجادلة : 1 ] الآية لأن فيها مخرجا ممّا لحق بالمجادلة من ضر بظهار زوجها ، وإبطالا له ، ولها أيضا موقع الاستئناف البياني لجملة قَدْ سَمِعَ اللَّهُ يثير سؤالا في النفس أن تقول : فما ذا نشأ عن استجابة اللّه لشكوى المجادلة فيجاب بما فيه المخرج لها منه . وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب يظهرون بفتح الياء وتشديد الظاء والهاء مفتوحتين بدون ألف بعد الظاء على أن أصله : يتظهرون ، فأدغمت التاء في الظاء لقرب مخرجيهما ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف يُظاهِرُونَ بفتح الياء وتشديد الظاء وألف بعدها على أن أصله : يتظاهرون ، فأدغمت التاء كما تقدم ، وقرأ عاصم يُظاهِرُونَ بضم الياء وتخفيف الظاء وألف وكسر الهاء على أنه مضارع ظاهر . ولم يأت مصدره إلّا على وزن الفعال ووزن المفاعلة . يقال : صدر منه ظهار